الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
358
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فالقصر المستفاد من إِنَّما قصر قلب مبني على تنزيل المطعمين منزلة من يظن أن من أطعمهم يمنّ عليهم ويريد منهم الجزاء والشكر بناء على المتعارف عندهم في الجاهلية . والمراد بالجزاء : ما هو عوض عن العطية من خدمة وإعانة ، وبالشكور : ذكرهم بالمزية . والشكور : مصدر بوزن الفعول كالقعود والجلوس ، وإنما اعتبر بوزن الفعول الذي هو مصدر فعل اللازم لأن فعل الشكر لا يتعدى للمشكور بنفسه غالبا بل باللام يقال : شكرت لك قال تعالى : وَاشْكُرُوا لِي [ البقرة : 152 ] . وأما قوله : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فهو مقول لقول يقولونه في نفوسهم أو ينطق به بعضهم مع بعض وهو حال من ضمير يَخافُونَ [ الإنسان : 7 ] أي يخافون ذلك اليوم في نفوسهم قائلين : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ، فحكي وقولهم : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وقولهم : إِنَّا نَخافُ إلخ . على طريقة اللف والنشر المعكوس والداعي إلى عكس النشر مراعاة حسن تنسيق النظم ليكون الانتقال من ذكر الإطعام إلى ما يقولونه للمطعمين ، والانتقال من ذكر خوف يوم الحساب إلى بشارتهم بوقاية اللّه إياهم من شر ذلك اليوم وما يلقونه فيه من النضرة والسرور والنعيم . فيجوز أن يكون مِنْ رَبِّنا ظرفا مستقرا وحرف مِنْ ابتدائية وهو حال من يَوْماً قدم عليه ، أي نخاف يوما عبوسا قمطريرا حال كونه من أيّام ربنا ، أي من أيام تصاريفه . ويجوز أن تكون مِنْ تجريدية كقولك : لي من فلان صديق حميم . ويكون يَوْماً منصوبا على الظرفية وتنوينه للتعظيم ، أي نخافه في يوم شديد . و عَبُوساً : منصوبا على المفعول لفعل نَخافُ ، أي نخاف غضبان شديد الغضب هو ربنا ، فيكون في التجريد تقوية للخوف إذ هو كخوف من شيئين ( وتلك نكتة التجريد ) ، أو يكون عَبُوساً حالا مِنْ رَبِّنا . ويجوز أن تجعل مِنْ لتعدية فعل نَخافُ كما عدي في قوله تعالى : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [ البقرة : 182 ] . وينتصب يَوْماً على المفعول به لفعل نَخافُ فصار لفعل نَخافُ معمولان . و عَبُوساً صفة ل يَوْماً ، والمعنى : نخاف عذاب يوم هذه صفته ، ففيه تأكيد الخوف بتكرير متعلّقه ومرجع التكرير إلى كونه خوف اللّه لأن اليوم يوم عدل اللّه وحكمه .